هبة الله بن علي الحسني العلوي
المقدمة 6
أمالي ابن الشجري
التقمتها الكتب الكبار ، فضاعت في غمارها ، وطويت في لجّتها ، وحين جاء أصحاب الموسوعات النحوية شغل بعضهم بما انتهى إليهم من هذه الكتب الكبار ، فنسبوا الآراء إلى أصحاب هذه الكتب ، ثم نسج على نولهم من جاء بعدهم . على أنّى في ذكر آراء ابن الشجرىّ لم أحاول أن أضعه في غير موضعه ، أو أرتفع به على من سبقوه ، فإن من آفات البحث العلمىّ العصبيّة الطائشة للشخصية المدروسة . فقد جاء ابن الشجرىّ وقد استوى النحو العربىّ على سوقه أو كاد ، فقد فرغ النحاة الأوائل من وضع الأصول وتمهيد الفروع ، ولم يكد أبو الفتح بن جنى يضع قلمه المبدع بعد هذه التصانيف الجياد التي نفذ بها إلى أسرار العربية ، حتى كان هذا إيذانا ببدء مرحلة جديدة من التصنيف النحوي ، يعكف فيها النحاة على هذا الموروث العظيم الذي آل إليهم : كشفا عن أسراره ، ونفاذا إلى دقائقه ، وتنبيها على غوامضه ، واستدراكا لفائته . ونعم كان للجيل الذي تلا ابن جنى آراء مبتكرة ، والعربية فسيحة الأرجاء ، متراحبة الأطراف ، وقد يفتح اللّه على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل ، ولكن يظلّ الفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما ترى من الفرق بين الجدول الصغير والبحر الزخّار ، ولو أتيح لكل مصنّفات الأوائل أن تذيع وتنتشر - وخاصة تصانيف أبى على الفارسي - لظهر لك صدق هذا الكلام . وابن الشجرىّ واحد من هذا النّفر الكريم الذين عرفوا للغتهم حقّها من دقّة النظر ، وحسن الفقه ، وكريم الرعاية . ولقد عكف على ذلك الحصاد الطيب الذي سبق به الأوائل : شارحا ومفسّرا ، ومتعقّبا وناقدا ، ومضيفا ومستدركا . وقد جمعت له أربعة وستّين رأيا ، ذكرتها وأوردت ما قيل حولها من آراء النحاة ، استحسانا أو نقدا ، وناقشته وناقشتهم في بعضها . وقد وقفت عند ظاهرتين غلبتا على أمالي ابن الشجرىّ ، ولم يكد يخلو منهما مجلس من مجالسه ، وهما ظاهرة الإعراب وظاهرة الحذوف ، وقد رأيت أن أفرد كلّ ظاهرة منهما بكلمة ، إذ كان جمهور مسائل النحو راجعا إليهما ومبنيّا عليهما ، ثم